عز الدين سعيد الاصبحي
———
لم تعش الأمة العربية حالة من التشظي كما هي عليه اليوم إلا ربما في مشاهد تذكرك بملوك الطوائف أثناء الأندلس حيث كان أكبر سقوط لحضارة تباهى بها البشر مئات السنين.
الآن تحاصر هذه الأمة أطماع تمزقها وحروب طاحنة وكأنها تهيئة أخرى لخروج جديد للعرب من التاريخ.
** لن نغرق في بحر التشاؤم لكن نحن بحاجة إلى قراءة صادقة للواقع لتفيق الأمة من هول الكارثة
وإن كانت القراءة موجعة فإنها رجع صدى لواقع الأمة الأكثر ألما.
** لنتأمل المشهد أولا فعلى مستوى العالم ليس هناك حروب متبقية بشكل مدمر إلا في منطقتنا.
لدينا خمس حروب مشتعلة بضراوة في منطقتنا العربية وبينما أكمل العالم دورته من الحروب الداخلية في أفريقيا أو أمريكا اللاتينية وانتهت إضطرابات التغيير في أوربا إلا أننا بدأنا في وطننا العربي بفتح ( كتاب المواجع والحروب ).
خمس حروب طاحنة من أقصى الشمال في ليبيا إلى أقصى الجنوب في اليمن مرورا بالعراق وسوريا وقلب الأمة النازف فلسطين
وهي حروب معلنة تحاذبتها الأطراف
ولكن هناك حرب أخرى سادسة تضرب قلب أمتنا
والحرب سادسة لا تقل ضراوة بل هي أشد خبثا وإن تجاهلها الإعلام وتجنبها الكثير من القادة ألا وهي ( حرب المياه) التي يراد بها إنهاك هذه الأمة وإحكام الحصار عليها.
(حرب المياه )تلك الحرب التي بقيت لخمسين عاما تحيط بمنطقتنا من عمليات إسرائيل تجاه مياه الأردن وفلسطين وسوريا ومنهج تجفيف الأرض، إلى سياسة تركيا في إنهاء تدفق نهري دجلة والفرات وحرمان العراق وسوريا وصولا إلى ما تقوم به أثيوبيا تجاه نهر النيل في حرب معلنة على مصر والسودان.
سد النهضة ليس مجرد مشروع لتوليد الطاقة الكهربائية في بلد نتقاسم معه الماء والجغرافيا والتاريخ بل جزء من مشروعات إنهاك هذه الأمة التي غرقت في مشروعات صغيرة ولم تلتفت إلى مشروعها العروبي الجامع.
ومن المؤلم أن نجد هذا التيه العربي يزيد في غيبوبته تجاه هذه الكوارث المدمرة، فتدمير اليمن والعراق وليبيا وسوريا وتفتيت القضية الفلسطينية
لا يعني هذه الدول فقط ولكنه ضرب لكل استقرار المنطقة العربية وإخراجها من التاريخ
وكما أن إنهاك مصر وعدم تقدير مكانتها في صنع الإستقرار بالمنطقة والحفاظ على الدور التاريخي لها هو خسارة للمنطقة قبل أن يكون خسارة لمصر.
والصمت على حرب ( النيل ) الذي تتعرض له مصر من قبل كل المنطقة العربية هو قتل لنا جميعا
فتعطيش مصر والإعتداء على هذا الحق التاريخي لأهم بلد عربي ليس سوى ضرب لقلب المنطقة العربية.
فالتاريخ يقول مادامت مصر بخير فإن عطائها يتجاوز أرض الكنانة إلى كل الوطن العربي وإذا أرهقت مصر أرهقت بقية الأقطار، وإذا أصاب مصر التقدم والتغيير الإيجابي لابد أن يصل أثره إلى كل المنطقة.
تلك حقائق التاريخ وواقع الجغرافيا
وذلك هو قدر مصر على مدى التاريخ
كما هو عبقرية المكان فمصر هي جسر التواصل لكل المنطقة وبوابة العرب للاستقرار.
والتقليل من دورها وإنهاكها بمعارك إقتصادية وإعتداء مباشر على حقوقها هو ضربة توجه إلى صميم هذه الأمة.
** و من المثير للأسى أن تداعيات حرب النيل ومعارك المياه لم تحرك بعد هذه الأمة ومؤساستها الإقليمية ونخبها الثقافية والمجتمعية كما يجب وتبتغيه هذه المعركة!
من المؤلم اننا في حروبنا التي غرقنا بها لم نلتق لنجلس في ( البيت الكبير ) لم نهرع لنوقظ الجامعة العربية من سباتها وتقوم بخطوات اكثر من مجرد لقاء وبيان تنديد
فما يجري حرب تضرب المستقبل وليس فقط اقتصاد الحاضر
ونعيد للقاهرة حقها في أن نلجأ إلى ما تبقى من جسور تواصلنا.
** الآن رغم هذه المآسي التي تبدو مدمرة لكل بارقة أمل أراها مناسبة لإعادة الإعتبار للكتلة التاريخية العربية في إعادة الإعتبار للتضامن العربي، وإحياء النظام العربي الجامع الذي تاه في سراديب الإحباط والتنافس الصغير وقلة الحيلة.
نعم يمكن إستنهاض أمل جديد من ركام اليأس لنتصدي لمؤامرة تركيع كل الأمة العربية عبر (حرب المياه) والتجويع ونشر الحروب الداخلية وإشعال الصراعات الصغيرة التي لا علاقة لها بمجد هذه الأمة إلا شبها بملوك الطوائف الذين أنهوا مجد الأندلس.
* نحتاج وقفة تجاه حروب معلنة ستخرج العرب ثانية من التاريخ إذا إستمرت.





أترك تعليقك