عزالدين سعيد الاصبحي
مقال الأهرام المصرية عدد اليوم الأحد
—————–
ستبقى القضية الفلسطينية مقياسا حقيقيا لمدى خروج هذه المنطقة من دائرة الاختطاف ومقياس لعودة الإستقرار، وبدون حل لها فالعنوان الأساسي لكل ما يجري في المنطقة العربية هو الإضطراب، لأن غياب العدل في أي شيء لا يحقق استقرارا.
وبعيدا عن التناول المثير لدائرة الإتهام بما يخص القضية الفلسطينية أحب أن أتطرق إلى نقطة أساسية
وهي عن المحاولات اليائسة لاختطاف تمثيل القضية الفلسطينية
والخشية في أن نجعلها في صدارة اهتمامنا لغرقنا في بحار التحديات الوطنية الصعبة .
فنحن تربينا على الحقيقة التي ستبقى ثابتة وهي أن فلسطين جوهر قضايانا العربية والقول بأن يرتفع أي صوت خارج إطار هذه الأمة سواء في طهران أو إسطنبول بتبني القضية المحورية لهذه الأمة مدعيا أنه الأكثر حبا لفلسطين لا يغدو ذلك غير استهلاك إعلامي، كما هو محاولة موجعة لضرب هذه الأمة التي يتكالب عليها الوجع من كل حدب وصوب
حيث تحرص تلك الأصوات واذرعها الإعلامية والسياسية من صنعاء إلى بيروت على إظهار أن أصحاب القضية تخلوا عنها وأن العرب أنظمة وشعوبا لم تعد فلسطين في قائمة اهتمامهم.
نحن ندرك شتات هذه الأمة وتوجع قلوبنا أن حروبنا الصغيرة وتشرذم قوانا أبعد القضية المحورية لهذه الأمة عن صدارة أولوياتنا، لكن لا يعني ذلك أن الآخر المتصدر للخطاب الإعلامي قلبه حقا على القدس وأن فلسطين حبه ومهوى فؤاده.
بل العكس تماما فما يجري هو إحداث مزيد من الإحباط واليأس في قلوب شباب هذه الأمة وأن قاداتهم وأحزابهم بل ومفكريهم تركوا جوهر قضيتهم الأم وذهبوا في غيبوبة تاريخية.
إنه ضرب مزدوج يخرج القضية من بين أيدي أصحابها المخلصين ويعمل بنفس الوقت على زيادة اليأس المدمر في صفوف هذه الأمة.
تعلن طهران يوما للقدس وتحشد لذلك حملات إعلامية صاخبة ثم تحرك أذرعها المسلحة وأدوات دعايتها من ميليشيات صعدة في شمال اليمن إلى ميليشيا الضاحية في جنوب بيروت.
والغرض لا قدس ولا فلسطين ولكن اختطاف القضية وزرع مزيد من اليأس في قلوب شبابنا الذي تحبطه تحديات واقع صعب.
فلا تقدم تلك الأذرع غير صخب إعلامي، ولا خطوات لها على الأرض إن لم يكن فعلا مغايرا عبر إحداث تمزيق أوسع في النسيج الفلسطيني.
وبالمثل يغدو خطاب إسطنبول مجلجلا في المحافل ولكن لا أكثر من إعلام صاخب واستمرار علاقات حميمة واستراتيجية مع الناتو وتل أبيب.
وعلينا أن ندرك بقليل من التمعن أن كل خطاب مرتفع مع القضية الفلسطينية يصاحبه إضعاف للسلطة الوطنية الفلسطينية وخلق انشقاقات في صفوف المقاومة الفلسطينية تهلكها وتجعلها في ورطات لا تنته.
ولكن ماذا علينا أن نعمل؟؟
الأمر لا يحتاج إلى معجزة بل إلى إرادة .
إرادة يمتلكها أصحاب الرأي في هذه الأمة قبل أصحاب القرار .
وإعادة بنية الوعي لدى الجيل الصاعد الغاضب من كل شيء والمحبط من تدهور حالنا العربي وتمزق نسيج أمتنا العربية من المحيط إلى الخليج
أن نعمل بشجاعة أكبر وصبر أشد في مواجهة محاولة حرف القضية عن مسارها ( وذلك يتم ) في ثلاثة أوجه معلنة :-
الاول: تمزيق القيادة الفلسطينية وانهاكها بخلافات مميتة وهذه نقطة تحتاج لبحث منفرد.
والوجه الثاني: يتمثل في اختطاف راية المطالبة بعروبة فلسطين وحق الشعب الفلسطيني والذي يراد جعل مركز قيادته خارج هذه الأمة.
والوجه الثالث : في تهافت البعض بالحصول على صداقة ومحبة إسرائيل وذلك سراب ووهم منشأه تسرع لا معنى له وقراءات خاطئة تعتقد بإمكانية استيعاب كيان غاصب
في قلب البيت العربي.
علينا فقط وقف هذا التدهور في تشظي الموقف الفلسطيني وإيقاف التهافت تجاه خطاب خاطيء يحاول كسب ود عدو عقيدته التي يحتكم إليها تقوم على أنه لا يقبل بالآخر ولا يؤمن بوجوده واستراتيجيته التي يقوم عليها وأنه يعمل على إحداث مزيد من تمزيق كل الشعوب المحيطة به.
وهنا علينا إعادة الإعتبار إلى خطابنا العربي وأن القضية الفلسطينية في صدارة اهتمامنا كأمة عربية شعبيا ثم سيلحق بنا كل موقف رسمي.
ولنرى كيف تفاعل العالم بشجاعة ضد قرارات إسرائيل بضم مستوطنات الضفة وضد كل خطواتها المدمرة للسلام ..العالم بوعيه الشعبي قبل مواقفه الرسمية، الذي يدرك أن السلام بهذه المنطقة واستقرارها بوابته فلسطين وسلامها العادل.
ونحن لم يحرك نخبنا ومثقفينا ساكنا خشية من مزاج غاضب أو إحباط من واقع صعب أو استسلام لأن تذهب راية النضال مع فلسطين صوب دول لن تكون معنا وهذه كارثة.
علينا أن لا نحس بالخجل أو عدم الإنتماء إلى العصر ونحن نعلم صغارنا أن القدس عاصمة فلسطين، وأن فلسطين أرض عربية محتلة
وعلينا كمثقفين وأشخاص اسوياء أن لا نخشى من جعل القضية الفلسطينية جوهر قضايانا في أوطاننا العربية المختلفة مهما كانت اوجاعنا مؤلمة، و أن نخشى من أنه سيقال من قبل البعض أن ذاك هروبا من تحديات الواقع.
..لا ..ليس هروبا بل إعادة إصلاح البوصلة إلى مكامن الخلل العربي
فإذا استقرت المنطقة وقلبها فلسطين صلح حال أوطاننا المنهكة وانتهت أذرع دخيلة تختطف وضعنا الداخلي وتتحدث زورا عن قضية هذه الأمة.
* وزير حقوق الإنسان السابق باليمن





أترك تعليقك