عزالدين سعيد الاصبحي*
_
أحببت أن أكتب عن أهمية التكامل العربي وخشيت للحظة من ردة فعل القاريء العربي الغاضب.
فهذا القاريء محاط بسيل من الإحباط و أكثر ما يثير الأسى حقا هو أن هذا الجيل ينشأ وخيبة الأمل هي التي يراها بالأمة العربية المترامية من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر ! كما كنا نغني ونحن نصف حدود الوطن المترامي الأطراف من المحيط الأطلسي غربا إلى بحر العرب والخليج العربي شرقا.
وانه رغم ( عبقرية المكان) وأهمية الجغرافيا فإننا أمة تخرج من التاريخ! ثانية
* أن تكتب عن الحلم العربي ومقدرات هذا الوطن الذي يجمعه التاريخ واللغة والثقافة المشتركة والتراب الواحد فإنك تكتب عن ما يثير غضب جيل محبط ( وهو محق بإحباطه ) وترى ردة الفعل سيل من السخرية المرة على التاريخ والأمة وأمجادها واغانيها ورموزها.
ولو وجدت من يصدح بأناشيد زمان مثل ( بلاد العرب أوطاني ) ستجد من حوليه يرد بالقهقهة الساخرة على حماسك العروبي
ولكن هذا الواقع المحبط لا ينفي الحقائق الثابتة عن أهمية هذه الأمة
ولا يعني بالضرورة إلغاء التفكير في كيفية الخروج من مأزق التشظي الذي نعيشه وهنا تأتي أهمية كل صاحب رأي ليسهم في وضع رؤية عندما تحجب عواصف التحديات مسار أوطاننا ولا ينساقون إلى مجاميع الندب وتعزيز الانهيار، وخاصة وهناك ما يمكن أن يجمع أكثر مما يمزق فواقع حقيقة الجغرافيا أننا في منطقة تقاطع مصالح دولية تدير آخر معاركها على هذه الأرض من مضيق جبل طارق إلى باب المندب وفي هذه الرقعة التي تشكل مساحتها
اكثر من ثلاثة عشر مليون كيلو متر مربع هي مساحة الوطن العربي وهذا يجعل هذه الرقعة الجغرافيا المتمركزة في قلب العالم ضمن أكبر مساحات متماسكة وثاني مساحة متماسكة بعد روسيا. متجاوزين بكثير مساحات دول كبيره مثل أمريكا والصين.
ولو أخذنا في الإعتبار تماسك الرقعة الجغرافية للوطن العربي من حيث واحدية اللغة والثقافة والتاريخ المشترك سنجد الخاصية التي لا يحب الكثير أن يذكر بها تحت وطأة الإحباط واليأس القائم الآن ولكن تلك حقيقة تبقى مهما انهال عليها ركام التخاذل والتذكير بذلك ليس درسا مملا في التاريخ والجغرافية بقدر ما هو تذكير بحقائق الواقع الذي يتطلب التفكير الجديد لصون المصالح والحفاظ على المقدرات والكرامة بعيدا عن الديماغوجية وشعارات التعصب وتزييف الوعي بل بمنطق المصلحة وتكامل الأدوار في بناء الدولة الوطنية المتماسكة بمحيطنا العربي الكبير .ولا يعني ضرورة الذهاب بعيدا إلى دولة مندمجة بل إلى دول وطنية غير متحاربة فقط، وهو الإنجاز الذي سيقود إلى استقرار ينعكس إيجابا على العالم كله وليس فقط في هذه الرقعة الواسعة والحيوية من العالم
حيث تدور أهم وأبرز المعارك المتبقية في الكوكب المضطرب فيه وبساحاته تُجرب مخازن الأسلحة ويجري فيها أكبر إنفاق عبثي على التسلح.
كل ذلك ونحن نتراجع في ميادين العلم والمعرفة وحسب إحصاءات القراءة مثلا فإن معدل (إصدار الكتب) في الوطن العربي كافة لا يتجاوز الــ 4٪ من معدل الإصدار في بلد كإنجلترا .
(-كتاب واحد يصدر لكل 500 فرد إنجليزي مقابل كتاب واحد يصدر لكل 12.000 فرد عربي -)
وحال الكتب الإلكترونية أكثر سوءا من الورقية ففي الغرب قد تصل مبيعات الكتب الإلكترونية إلى أكثر من 40.000 نسخة يوميا.
أما في الوطن العربي فلا تكاد المبيعات تُذكر
أما عن القراءة فالأمر محبط لأمة أول كلمة في كتابها نزلت تقول ( اقرأ ) حيث نجد في دراسة دولية أخيرة عن معدلات القراءة، أوضحت أن معدل قراءة المواطن العربي :
( ربع صفحة في السنة )
بمعنى آخر أن كل 20 مواطن عربي يقرؤون كتابا واحدا خلال سنة.
وهي أرقام ليست بالضرورة دقيقة وإن كان بالفعل جزءا من واقع محبط لكن نحن بحاجة إلى الحذر في قراءة الكثير من سيل المعلومات المنشورة صحفيا.
( يعني حضرتك حسب هذه الإحصاءات إذا أنهيت قراءة هذا المقال ستكون أسهمت في تعديل هذه النسبة لأنها تتجاوز ربع صفحة من كتاب )
وكأني أريد أن أقول أن العرب
لا يقرأون غير ( طالع الحظ) وباطن الكف ليعرفون ماذا يخبيء الحظ لهم.
وما يثير الشجن في إعادة التفكير في بناء مشروع عربي يخرجنا من حالة التيه القائمة أننا غصبا عنا محاطون بمشاريع تتقاطع مصالحها مع هذه الجغرافية العربية وقاطنيها
فمع المشروع الإسرائيلي الذي يتمدد دون منطق تتعاظم مشروعات إيران وتركيا وإثيوبيا وكلها مشروعات قومية ذات بعد جغرافي خاص تتقاطع و الجغرافيا والمصالح العربية في وضع لا فكاك منه إلا بتماسك دول المنطقة العربية المنهكة بحسابات صغيرة.
وفي جولات التاريخ نرى أنه مع تعاظم أي مشروع عربي منذ الأمويين والعباسسين وحتى السد العالي كان النهوض العربي صمام أمان للجميع. وبقي هذا النهوض العربي باني جسور للتكامل الحضاري الذي جعل امتداد حضوره في كل هذه القوميات والحضارات إيجابيا وأخاذا
ترك هذا التكامل الحضور الديني واللغة ورموز الكتابة وصان التنوع الذي خلق سحر الشرق وجمال قارة أفريقيا ودهشة المتوسط وروحانية قارة آسيا ولكن للإنصاف أيضا أنه مع كل نكوص لهذه الأمة تأتي ردود الفعل والتوسع نحوها منتقمة لكل ماله علاقة بحضوره الحضاري وتمزيق أوصاله.
ومن المحزن أن دورة التاريخ تعود لتجدد مشهد ملوك الطوائف الذي يعود وليس بالضرورة بجلال حضوره الأندلسي ولكن بتفاصيله المؤلمة
ولكن ما ننساه دوما في لحظة اليأس هذه أن هذه الأمة تبقى أمة الأمل ومهد النهوض من العدم.
ليس هذا القول بيعا للوهم ولكن تذكير بحقيقة الواقع الذي نتغافل عن سطوته فما يجري من تمزق لازال يتم داخل البيت الواحد، وما يحدث من قتال ضاري هو بين أبناء أمة واحدة
لذا ستبقى الحقيقة هي في بقاء هذا البيت المتداعي وصمود الأمة المكلومة بابناء سيأتون أكثر قدرة منا على إستلهام لحظة النهوض والعودة إلى التاريخ الذي نطرد منه الآن بقسوة . وعلى الجيل الصاعد أن يدرك أنه الأكثر قدرة على إلتقاط حقيقة الجغرافيا ووقف موجة الإحباط وإعادة مسار البناء وفق مصالحه التي تحفظ وجوده بين أمم تتقاتل على ما يملكه.
_
* سفير اليمن في المغرب



