اليمن .. هدنة هشة وسلام مفقود!-
https://gate.ahram.org.eg/daily/News/861222.aspx
مقال الاهرام عدد
الأثنين 18 يوليو 2022 .
__
عز الدين سعيد الأصبحى
–‐-
حضر الرئيس الأمريكى بايدن للمنطقة وغادر ولا تحول عميق سيجرى، مهما بدا سقف التوقعات عاليا وصخب الأصوات حول الزيارة مرتفعا.
بحسب برنامج الرئيس الأمريكى الذى كتب عنه بايدن قبل وصوله مقالا فى الواشنطن بوست، ملخصه أنه يأتى إلى الشرق الأوسط لتعزيز المصالح الأمريكية لا أكثر، ولكن ذاك الشرق الأوسط لم يعد هو نفسه الذى كان قبل ست سنوات مضت على آخر زيارة لبايدن.
فقد جرت مياه كثيرة فى نهر منطقة يعاد تشكلها ولم يثبت بعد وضع خارطتها المرتقبة، وفى عالم يتفجر عالميا وليس فقط إقليميا.
أبرز نقاط الإنجاز للدبلوماسية الأمريكية حسب الطرح الأمريكى هو الهدنة فى اليمن. ولكن إذا لم تكن القيادة الشرعية لليمن فى طاولة اللقاء ومدعومة بقوة فكيف يستقيم ذلك؟.
عدم تقوية المؤسسة الشرعية فى اليمن واقعيا وسياسيا، لا يعزز منطق السلام، فهى القوة الوحيدة القادرة على ترسيخ هذا المسار، وتحمل مسئولياته.
لذا يبقى سقف التوقعات فى أدنى مستوياته، وما يجرى يؤكد مدى اضطراب الرؤية لدى أجهزة صنع القرار الدولى، وتشتت خيوط اللعبة نحو مصانع أخرى لتصنع مشهدا متغيرا، لذا ستنتهى الرحلة دون ذلك الأثر العميق إقليميا، ويمنيا.
سيتم تمديد الهدنة الهشة فى اليمن، ليس لكونها إرادة يمنية بل لأن إدارة بايدن ترى بأن هذا إنجازها الذى تدافع عنه فى بلد الحكمة، وبالتالى ستمدد الهدنة الهشة وإن كره اليمنيون! مؤقتا.
أما كون أن الهدنة تفتح أفق السلام المنشود فذلك أمر ما زال بعيدا على الأقل فى المستوى المنظور، فلم يحدث فعل على الأرض يرجح خطاب السلام!، كون منطق السلام يريد قوة فرض صارمة تفرضه وليس مجرد أمنيات، وهذا لم يحدث بعد.
ميليشيات التمرد الحوثية لا ترغب بالسلام، وتتوق للحرب فهى تعيش عليها وتحيا على انعدام الدولة، وعلى شعار مقاومة اعتداءات ليس لها وجود الآن، ولكنها لا تقوى على شن حربها بشكل واسع، لضعف داخلها الذى بدا واضحا مهما ادعت غير ذلك، ولكون المعطيات الإقليمية والدولية لا تساعدها الآن.
لهذا سيبقى الأمر فى مربع الاستنزاف المرهق لأطراف مرهقة فى الأصل، وتبقى هدنة هشة، تحفظ مسار الحرب المحصورة داخليا، ولا تتيح المجال لاندلاع مواجهات عسكرية واسعة.
ولمزيد من الدقة والإنصاف فإن ميليشيات الحوثى سعت لتفجير الموقف عدة مرات خلال الهدنة التى بدأت فى الثانى من ابريل المنصرم، وأعلن يومها أنها لشهرين ثم جرى تمديدها لشهرين آخرين تنتهى فى مطلع أغسطس ، ولكن ستمدد فى الغالب فتلك مطالب الإدارة الأمريكية وضمن إنجازات زيارة بايدن للمنطقة.
وخلال الأسابيع الماضية بقيت ميليشيات الحوثى تتحرش بكل الجبهات تريد إشعال موقف يساعدها على القول أن المواجهات اندلعت، ولكن الحكومة الشرعية فوتت عليها تلك الفرصة، بل ذهبت الحكومة فى قبول التنازلات التى افقدها الكثير من رصيدها فى الشارع اليمنى الغاضب، وأشرف المبعوث الدولى على إعطاء الميليشيات الحوثية كل ما تريد، من سماح بتدفق النفط وفتح مطار صنعاء مباشرة واستخدام وثائق سفر غير شرعية، واستيلاء على مدخرات الموانئ والجمارك ومرتبات الموظفين، ومع ذلك رفضت ميليشيات الحوثى فتح طريق رئيسى يخفف من حصارها لمدينة تعز.
وجاء المبعوث الدولى إلى جلسة مجلس الأمن الأسبوع المنصرم مكسورا، وأعلن عن رفض الحوثيين فتح طريق لتعز وأنهم أى الحوثيين لا يتعاطون معه بإيجابية، وأن حصار تعز واستمرار حقول الألغام الحوثية أمور مستمرة للأسف.
وبالمقابل استمرت ميليشيات الحوثى فى محاولة إشعال فتيل مواجهة واسعة ولم تفلح حتى الآن، حيث أعلنت أن قواتها تعرضت للقصف من السعودية وأن الرحلات الجوية قليلة، وأنها تريد دخل النفط اليمنى كله وأنها لا تقبل بالهدنة.
وتعامل العالم مع كل ذاك الاستفزاز الحوثى بأنه شطحات جنون لقوى تريد الانتحار، وبالتالى التزام الصمت وتفويت فرصة الصدام، واستمرار سياسة حصارها بخطاب السلام، وإستراتيجية الهجوم بالسلام. فذلك وحده يفقد الميليشيات حجة بقائها، حيث لا قصف جوى الآن، ولا تدخل عربى ولا رد عسكرى من الشرعية وكل مطالب الميليشيات نُفذت وزيادة.
أدرك الحوثى أنه يُحاصر بطلبات الشعب الذى يريد عودة مؤسسات الدولة الشرعية، وعودة الخدمات والمستحقات، وأن خطاب الحرب ضد إسرائيل عبر قصف تعز ، والوقوف ضد أمريكا عبر ضرب الحديدة ومأرب صارت نكته مقرفة!. وليس أمام الحوثى إلا أن يرضخ للسلام ويعيد الأمور إلى نصابها ،أو يعلن حربا فى ضرب العمق الخليجى مثلا ! وتلك قصة لا يقوى عليها ولا تسمح بها إيران بصفتها داعم الحوثى، فى الوقت الحالى على الأقل لأسباب مختلفة.
وبالتالي سيبقى أمر اليمن فى دوامة هدنة هشة هى استمرار لحرب أكثر منها نافذة للسلام.
فالسلام لابد أن ينتصر على الأرض فعليا أولا ثم يجد قوة تحميه ليستمر، وإلا سنبقى فى دوامة هدنات هى استراحات حرب لا أكثر





أترك تعليقك